أبي نعيم الأصبهاني
88
حلية الأولياء وطبقات الأصفياء
الدنيا الغموم والأحزان ، وفي الآخرة النار والحساب ، فأين الراحة والفرح إلهي خلقتني ولم تؤامرنى في خلقي ، وأسكنتنى بلايا الدنيا ثم قلت لي استمسك فكيف استمسك إن لم تمسكنى ، إلهي إنك لتعلم أن لو كانت لي الدنيا بحذافيرها ثم سألتنيها لجعلتها لك فهب لي نفسي . وكان يقول : لذات الدنيا أربعة ؛ المال ، والنساء ، والنوم ، والطعام . فأما المال والنساء فلا حاجة لي فيهما ، وأما النوم والطعام فلا بدّ لي منهما ، فو اللّه لأضرن بهما جهدي . ولقد كان يبيت قائما ، ويظل صائما ولقد كان إبليس يلتوى في موضع سجوده ، فإذا ما وجد ريحه نحاه بيده ثم يقول : لولا نتنك لم أزل عليك ساجدا ، وهو يتمثل كهيئة الحية . ورأيته وهو يصلى فيدخل تحت قميصه حتى يخرج من كمه وثيابه فلا يحيد . فقيل له : ألا تنحى الحية فيقول : واللّه إني لأستحى من اللّه تعالى أن أخاف شيئا غيره ، واللّه ما اعلم بهذا حين يدخل ولا حين يخرج . وقيل له : إن الجنة تدرك بدون ما تصنع ، وإن النار تتقى بدون ما تصنع . فيقول : لا حتى لا ألوم نفسي . قال : ومرض فبكى فقيل له ما يبكيك وقد كنت وقد كنت ؟ فيقول ما لي لا أبكى ومن أحق بالبكاء منى ، واللّه ما أبكى حرصا على الدنيا ولا جزعا من الموت ، ولكن لبعد سفري وقلة زادي ، وإني أمسيت في صعود وهبوط ، جنة أو نار ، فلا أدرى إلى أيهما أصير . * حدثنا أبي ثنا إبراهيم بن محمد بن الحسن حدثني أبو حميد أحمد بن محمد الحمصي ثنا يحيى بن سعيد ثنا يزيد بن عطاء عن علقمة بن مرثد . قال : انتهى الزهد إلى ثمانية من التابعين ، فذكر نحوه وزاد وقال : لاجتهدن فإن نجوت فبرحمة اللّه ، وإن دخلت النار فلبعد جهدي . وكان يقول : ما أبكى على دنياكم رغبة فيها ، ولكن أبكى على ظمأ الهواجر ، وقيام ليل الشتاء . * حدثنا محمد بن أحمد بن محمد العبدي ثنا أبي ثنا أبو بكر بن عبيد القرشي ثنا محمد بن يحيى الأزدي ثنا جعفر الرازي عن أبي جعفر السائح أخبرنا ابن وهب وغيره يزيد بعضهم على بعض في الحديث : أن عامر بن عبد قيس